محمد جمال الدين القاسمي
481
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الْبِرَّ : اسم جامع للطاعات وأعمال الخير المقرّبة إلى اللّه تعالى ، ومن هذا : برّ الوالدين ، قال تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 - 14 ] فجعل البرّ ضدّ الفجور وقال وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ المائدة : 2 ] . فجعل البرّ ضدّ الإثم ، فدلّ على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان . أي : ليس الصلاح والطاعة والفعل المرضيّ في تزكية النفس - الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ - هو أمر القبلة ، ولكن البرّ - الذي يجب الاهتمام به - هو هذه الخصال التي عدّها جلّ شأنه . ولا يبعد أن يكون بعض المؤمنين - عند نسخ القبلة وتحويلها - حصل منهم الاغتباط بهذه القبلة ، وحصل منهم التشدّد في شأنها حتى ظنوا أنّه الغرض الأكبر في الدين . فبعثهم تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات . أشار لهذا الرازيّ . وقال الراغب : الخطاب في هذه الآية للكفّار والمنافقين الذين أنكروا تغيير القبلة . وقيل : بل لهم وللمؤمنين حيث قد يرون أنهم نالوا البرّ كلّه بالتوجّه إليها . وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أي : إيمان من آمن باللّه - الذي دعت إليه آية الوحدانية - فأثبت له صفات الكمال ، ونزهه عن سمات النقصان . وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الذي كذب به المشركون ، فاختلّ نظامهم ببغي بعضهم على بعض وَالْمَلائِكَةِ أي : وآمن بهم وبأنهم عباد مكرمون متوسطون بينه تعالى وبين رسله بإلقاء الوحي وإنزال الكتب وَالْكِتابِ أي : بحبس الكتاب . فيشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء التي من أفرادها : أشرفها وهو القرآن - المهيمن على ما قبله من الكتب - الذي انتهى إليه كلّ خير واشتمل على كلّ سعادة في الدنيا والآخرة . وَالنَّبِيِّينَ جميعا من غير تفرقة بين أحد منهم ، كما فعل أهل الكتابين . قال الحراليّ ففيه - أي الإيمان بهم وبما قبلهم - قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها ، والإيمان بغيب من ليس من جنسها ، ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها . وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي : أخرجه وهو محبّ له راغب فيه ، نصّ على ذلك : ابن مسعود ، وسعيد بن جبير ، وغيرهما من السلف والخلف ، كما ثبت في